التعليم المجاني في الإسلام: حق الشعب وواجب الدولة المطلق
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (سورة النحل: 78)
في عصر الرأسمالية العالمية الحالي، تحول التعليم من مؤسسة نبيلة تصنع الحضارات إلى سلعة تجارية مغرية للغاية. تتنافس المدارس والجامعات في فرض رسوم باهظة (رسوم التسجيل، الرسوم الأولية، رسوم المباني) من أجل جني الأرباح. ونتيجة لذلك، أصبح التعليم العالي الجودة سلعة فاخرة لا يتمتع بها سوى قلة من الأغنياء. بينما يضطر أطفال العائلات الفقيرة إلى الاكتفاء بالتعليم المتواضع، أو حتى الانقطاع عن الدراسة تماماً. وظاهرة القروض الطلابية التي تخنق ملايين الشباب في الدول الغربية دليل واضح على فساد هذا النظام.
جاء الإسلام بنموذج مختلف جذرياً. ففي منظور الإسلام الذي يتبناه حزب التحرير من خلال كتاب نظام الحكم في الإسلام، التعليم ليس سلعة تجارية. بل التعليم حاجة أساسية عامة يجب على الدولة (الخلافة) ضمانها وتوفيرها مجاناً لجميع مواطنيها.
يتناول هذا المقال بالتفصيل الأدلة والآليات ومصادر تمويل التعليم المجاني في نظام الخلافة، المستندة خالصاً إلى الشريعة الإسلامية.
1. التعليم: حاجة أساسية عامة وليس سلعة تجارية
في النظام الاقتصادي والسياسي الإسلامي، تُصنَّف احتياجات الإنسان بدقة متناهية. فهناك احتياجات فردية أساسية يُترك تلبيتها لسعي كل شخص (كالملبس والمأكل والمسكن)، رغم أن الدولة تراقب وتتدخل إذا عجز فرد عن تلبيتها.
لكن هناك ثلاث حاجات أساسية عامة يكون تلبيتها مسؤولية مباشرة ومطلقة للدولة، وهي:
- الأمن (الأمن)
- الصحة (الصحة)
- التعليم (التعليم)
الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (رواه البخاري)
فرعاية شؤون الرعية تعني ضمان حصول الشعب على حقوقه الأساسية. والسماح بجهل الشعب بسبب عدم قدرتهم على دفع رسوم المدارس ظلم عظيم سيُساءل عنه المسؤولون أمام الله في الآخرة.
2. الأساس الشرعي لواجب الدولة في توفير التعليم
يستند واجب الخلافة في تمويل التعليم مجاناً إلى إجماع الصحابة وفعل رسول الله ﷺ بصفته رأس الدولة (الدولة الإسلامية) في المدينة.
أ. قدوة رسول الله ﷺ بصفته رأس دولة
بعد غزوة بدر، وقع العديد من أسرى المشركين من قريش في أيدي المسلمين. ولم يكن بعضهم يملك مالاً ليفدي نفسه. فماذا فعل رسول الله ﷺ؟
أقرَّ سياسة ثورية في ذلك الوقت: الأسير الذي يجيد القراءة والكتابة يُطلق سراحه إذا علَّم عشرة من أطفال المسلمين في المدينة القراءة والكتابة.
كَانَ فِدَاءُ أَسْرَى بَدْرٍ أَنْ يُعَلِّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةً مِنَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ
فأموال فداء الأسرى (الغنائم) هي في الأصل ملك لخزينة الدولة (بيت المال). وسياسة رسول الله ﷺ في استبدال أموال الفداء بخدمات التعليم تثبت أن للدولة الحق — بل الواجب — في إنفاق أموال من خزينة الدولة لتمويل تعليم شعبها.
ب. إجماع الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين
في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عيَّنت الدولة رسمياً معلمين للقرآن الكريم والعلوم الشرعية لتعليم الأطفال في المدينة. ولم يطلب عمر رسوماً من أولياء التلاميذ. بل على العكس، أخذ عمر الأموال من بيت المال لدفع رواتب المعلمين برواتب سخية جداً، وهي 15 ديناراً شهرياً (ما يعادل عشرات الملايين من الروبية اليوم).
وعلم الصحابة الآخرون بذلك ولم يعترض أحد منهم. فأصبح هذا إجماع صحابة على أن دفع رواتب المعلمين وتعليم الشعب مجاناً من أموال بيت المال واجب على الدولة.
3. نطاق التعليم المجاني في الخلافة
إذا كانت العديد من الدول الرأسمالية اليوم تدعي أنها وفَّرت التعليم المجاني، فعادةً ما يقتصر ذلك على المرحلة الابتدائية فقط، وحتى ذلك بمرافق متواضعة جداً. فماذا عن الخلافة؟
يحدد مشروع الدستور الذي تبناه حزب التحرير نطاق التعليم المجاني بوضوح:
يَجِبُ عَلَى الدَّوْلَةِ أَنْ تُعَلِّمَ كُلَّ فَرْدٍ مِمَّنْ يَحْمِلُ التَّابِعِيَّةَ تَعْلِيمًا مَجَّانِيًّا فِي مَرَاحِلِ التَّعْلِيمِ الِابْتِدَائِيِّ وَالثَّانَوِيِّ، وَأَنْ تُوَفِّرَ لَهُ التَّعْلِيمَ الْعَالِيَ مَجَّانًا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ
لنُفصِّل هذا النطاق:
| المرحلة التعليمية | وضع التمويل | ملاحظات إضافية |
|---|---|---|
| الابتدائية | واجب مجاني مطلق | لا يجوز أي رسوم. إلزامي لجميع الشعب. |
| المتوسطة والثانوية | واجب مجاني مطلق | إعفاء من الرسوم والكتب ومختبرات المرافق. |
| العالية (الجامعة) | مجاني حسب القدرة | مجاني للطلاب المؤهلين أكاديمياً (اجتياز اختبار القبول). إذا امتلأت قدرة الجامعة، يجب على الدولة إعطاء الأولوية للأكثر تفوقاً. |
كلمة “مجاني” هنا لا تعني فقط الإعفاء من الرسوم الدراسية، بل إن الدولة توفر مباني مناسبة، وكتباً للمكتبات، وأدوات توضيحية، ومختبرات متطورة، وحتى رواتب المعلمين والأساتذة التي تكفل لهم حياة كريمة.
4. التعليم بدون تمييز طبقي أو ديني
من أقبح مظاهر الرأسمالية خلق طبقات في التعليم. فأبناء الأغنياء يدخلون مدارس نخبوية بمعايير دولية، وأبناء الفقراء يدخلون مدارس مهملة بأسقف متسربة. وهذا يولِّد فجوات اجتماعية مروعة.
في الإسلام، التعليم المجاني يسري على جميع المواطنين بدون تمييز.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (سورة الحجرات: 13)
في نظام الخلافة:
- الغني والفقير: ابن الوزير وابن الفلاح سيجلسان في نفس الفصل الدراسي، ويستمتعان بنفس المرافق المختبرية، ويُدرَّسان من قِبَل نفس المعلمين المؤهلين. لا تجارية.
- الرجل والمرأة: كلاهما ملزم بطلب العلم. الدولة تيسِّر المدارس للنساء (بفصل اختلاطي وفقاً لأحكام الإسلام في التعامل بين الجنسين) ليصبحن أمهات ومربيات فاضلات، وطبيبات، وعالمات، وعالمات دين.
- المسلم وغير المسلم (أهل الذمة): يحق للمواطنين غير المسلمين الاستفادة من التعليم العلمي والتقني والمهني المجاني كالمسلمين. ويُستثنَون فقط من إلزامية دراسة العقيدة الإسلامية.
5. من أين تحصل الخلافة على التمويل الضخم؟
قد يشكك الكثيرون: “من أين للدولة أن تمول تعليماً مجانياً لمئات الملايين من الشعب بمرافقه المتطورة؟ ألا تفلس الدولة؟”
هذا الشك طبيعي إذا نظرنا من منظور الاقتصاد الرأسمالي الذي تعتمد إيراداته فقط على الضرائب (استغلال الشعب) والقروض الخارجية بفائدة (ربا). أما الخلافة فلديها نظام اقتصادي (نظام اقتصادي) متين جداً مع مصادر تمويل ذاتية وفيرة في بيت المال.
إليك بنود إيرادات بيت المال التي أوجبها الشرع لتمويل التعليم:
أ. بند الفيء والخراج (ملك الدولة)
هذه أموال هي حق للدولة، مثل:
- الخراج: ضريبة الأراضي الزراعية التي فتحها المسلمون.
- الجزية: علامة خضوع غير المسلمين (أهل الذمة) للدولة الإسلامية.
- العُشور: رسوم جمركية على البضائع الأجنبية التي تعبر حدود الدولة.
- الغنائم والفيء: أموال الغنائم الحربية. للخليفة الحق الكامل في تخصيص أموال من هذا البند لبناء المدارس، ودفع رواتب المعلمين، وتأسيس الجامعات.
ب. بند الملكية العامة (الملكية العامة)
هذا هو “الكنز” الأكبر للأمة الإسلامية الذي تستولي عليه اليوم الشركات الأجنبية/الخاصة في النظام الرأسمالي. يقرر الإسلام أن الموارد الطبيعية التي لا حدَّ لها هي ملك عام (للشعب)، والدولة فقط مسؤولة عن إدارتها.
الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ (رواه أبو داود)
مناجم الذهب والفحم والنفط والغاز الطبيعي واليورانيوم وحتى الغابات الشاسعة هي ملك الشعب. وستستعيد الخلافة كل هذه المناجم من أيدي القطاع الخاص/الأجنبي، وتديرها بشكل مستقل، وتُعاد كل أرباحها إلى الشعب في شكل خدمات عامة — وأكبرها التعليم المجاني.
تخيل، لو أن تريليونات الروبية من عوائد مناجم فريبورت أو كتلة ماهاكام أو مناجم النيكل لم تذهب إلى جيوب الأوليغارشية، لكانت هذه الأموال أكثر من كافية لبناء آلاف المختبرات المتطورة ودفع رواتب المعلمين بسخاء دون الحاجة لفرض ضريبة القيمة المضافة على الفقراء!
6. تشبيه: التعليم كأكسجين للحضارة
لتسهيل فهم سبب تحريم الإسلام لتجارية التعليم، لنستخدم تشبيه الأكسجين.
التعليم في حضارة ما يشبه الأكسجين لجسم الإنسان.
- إذا كان الأكسجين مجانياً ووفيراً، فستكون كل خلايا الجسم صحية وقادرة على أداء أعمال عظيمة.
- النظام الرأسمالي حوَّل هذا “الأكسجين” (التعليم) إلى أسطوانات مدفوعة الثمن. فقط من يملك المال يُسمح له بالتنفس بحرية. ونتيجة لذلك، تصبح أغلبية خلايا الجسم (الفقراء) جاهلة وضعيفة، وتصبح الحضارة في النهاية مشلولة بسبب نقص العقول الذكية.
تأتي الخلافة لتحرير هذا الأكسجين مرة أخرى. الدولة تصبح الرئة الضخمة التي تضخ علم الأكسجين إلى كل أرجاء البلاد، لضمان حصول الطفل في الجبال النائية على نفس جودة التعليم الذي يحصل عليه الطفل في العاصمة. لأن الخلافة تدرك أن طفلاً ذكياً واحداً يفشل في الدراسة بسبب الفقر يعني أن الأمة فقدت عالماً عظيماً محتملاً في المستقبل.
7. دليل تاريخي: عندما تعلم العالم مجاناً في ظل الخلافة
واجب التعليم المجاني هذا ليس يوتوبيا أو خرافة قبل النوم. التاريخ يسجل بحروف من ذهب كيف طبقت الخلافة هذا لقرون عديدة.
في عهد الخلافة العباسية، أسس الخليفة بيت الحكمة في بغداد، وهو أكبر جامعة ومركز بحثي في العالم آنذاك. ولم يكن التعليم مجانياً فحسب، بل كانت الدولة تمنح ذهباً بوزن كل كتاب يترجمه أو يؤلفه العلماء!
في عهد الخلافة العثمانية، أسس السلطان محمد الفاتح مدرسة سحن سمان في إسطنبول. الطلاب الذين يدرسون فيها لم يُعفَوا من الرسوم الدراسية فحسب، بل مُنحوا أيضاً مساكن مجانية، وملابس، وطعاماً مغذياً يومياً، ومصروفاً شهرياً من الدولة.
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (سورة البقرة: 269)
بفضل نظام التعليم المجاني المدعوم بالكامل من الدولة، أنجبت الأمة الإسلامية علماء عمالقة مثل ابن سينا (أبو الطب)، والخوارزمي (مخترع الجبر)، وابن الهيثم (أبو البصريات). لم يشغلوا أنفسهم بأقساط الجامعة، فكانت عقولهم حرة لتخترق حدود العلوم.
8. ماذا يحدث إذا فرغت خزينة الدولة؟
الإسلام دين عقلاني جداً. فماذا لو أصابت الخلافة كارثة (مثل حرب كبرى أو مجاعة) حتى فرغ بيت المال تماماً؟ هل يُوقف التعليم المجاني؟
لا. في حالات الطوارئ القاهرة حيث يفرغ بيت المال، يقرر الشرع الإسلامي أن واجب تمويل التعليم ينتقل ليصبح عبئاً مشتركاً (فرض كفاية) على المسلمين الأغنياء (الأغنياء).
للخلافة الحق في فرض ضريبة (الضريبة) فقط على المسلمين الأغنياء جداً (الذين لديهم فائض مال بعد تلبية احتياجاتهم الأساسية والثانوية بشكل معقول). تُستخدم أموال هذه الضريبة المؤقتة خصيصاً لتمويل المرافق التعليمية العاجلة، حتى لا تُغلق المدارس ويستمر دفع رواتب المعلمين. وبمجرد امتلاء بيت المال مرة أخرى من عوائد المناجم أو الفيء، يُوقف فوراً جمع الضرائب من الأغنياء.
وهذا يثبت أنه في أي ظرف كان، لا يجوز تجارية التعليم للشعب العام!
9. مقارنة العدالة: الخلافة مقابل الدولة العلمانية
لنقارن بوضوح كيف ينظر هذان النظامان إلى التعليم:
| المعيار | النظام الرأسمالي العلماني | النظام الإسلامي (الخلافة) |
|---|---|---|
| وضع التعليم | خدمة تجارية (أعمال). | حق أساسي للشعب، واجب على الدولة. |
| إمكانية الوصول | يعتمد على سماكة المحفظة (مال أكثر = جودة أعلى). | متساوٍ لجميع المواطنين (غني/فقير). |
| مصدر التمويل | رسوم الشعب الدراسية، ضرائب الفقراء، قروض خارجية. | عوائد إدارة الثروات الطبيعية (المناجم/النفط والغاز) المملوكة للأمة في بيت المال. |
| مصير الطلاب الجامعيين | محاصرون بقروض طلابية لعقود. | يتخرجون بدون ديون، مستعدين لخدمة الأمة. |
| توجه الجامعة | البحث عن الربح والترتيب الدولي. | بحث استقلال الأمة ودعوة الحضارة. |
10. الخلاصة: استقبال وعد الرفاهية
التعليم المجاني عالي الجودة ليس وعداً انتخابياً سياسياً في الإسلام. بل هو حكم شرعي يجب تنفيذه من قِبَل رئيس الدولة (الخليفة).
- ✅ التعليم حاجة أساسية: بنفس أهمية الأمن والصحة.
- ✅ حرام تجاريةه: جعل المدارس أداة أعمال تستغل الفقراء ظلم.
- ✅ ممول من بيت المال: مصدره الإدارة الذكية للثروات الطبيعية المملوكة للعامة (المناجم، النفط والغاز، الغابات).
- ✅ بدون تمييز: يسري بعدل على الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء، المسلمين وأهل الذمة.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (سورة النور: 55)
وعد الرفاهية والعدالة والتعليم المجاني هذا سيبقى نظرية جميلة على الورق ما دامت الأمة الإسلامية راضية بالعيش تحت قبضة النظام الرأسمالي-الديمقراطي. ولن يتحول إلى واقع ملموس إلا عندما تتحرك الأمة الإسلامية معاً، وتناضل لإعادة تأسيس مؤسسة تطبيق الشريعة كاملة: دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
تابع الرحلة: