الحرية في الإسلام
سؤال الحرية ربما يكون من أكثر المواضيع هتافًا في العصر الحديث. الناس يناضلون ويتظاهرون بل ويحاربون باسم الحرية. لكن هل توقفنا يومًا وسألنا: “ما هي الحرية حقًا؟ هل الحرية تعني أنني أستطيع فعل أي شيء بلا حدود؟ وإذا كنت حرًا في فعل كل شيء، هل هذا يجعلني سعيدًا حقًا؟”
الارتباك حول معنى الحرية ليس أمرًا جديدًا. عبر تاريخ الفكر البشري، شهد مفهوم الحرية تحولًا جذريًا في المعنى. في قطب، نظرة تقول إن الحرية حق مطلق للإنسان لفعل ما يشاء بلا تدخل من أي كان — حتى بلا تدخل من الله. وفي القطب الآخر، نظرة تقول إن الحرية يجب أن تُكبّت بحيث لا يكاد الإنسان يملك مساحة للاختيار. كلا النظرتين المتطرفتين منحرفتان بوضوح وتنتجان ضررًا هائلًا للحضارة.
حزب التحرير، من خلال العمل الأساسي مفاهيم حزب التحرير الذي كتبه الشيخ تقي الدين النبهاني، يقدم منهجًا مميزًا وصافيًا ومقنعًا للعقل. هذا المنهج لا يقع في رومانسية الحرية المطلقة على طريقة الليبرالية الغربية، ولا في تقييد الحرية على طريقة الشمولية. يعيد هذا المنهج قضية الحرية إلى جذرها الحقيقي: الحرية حق منحه الله، وهذا الحق محدود بشريعة الله.
لنحلل تشابك فهم الحرية هذا ببطء، خطوة بخطوة، حتى يطّمئن عقلنا ويقوى إيماننا.
1. مقدمة: فك مفارقة الحرية الحديثة
لماذا ينتهي النقاش حول الحرية في العصر الحديث غالبًا إلى طريق مسدود؟ الجواب يكمن في نقطة فهم خاطئة.
يعرّف الغرب الحرية بأنه الحق المطلق للفرد لفعل ما يشاء طالما لا يضر الآخرين. يبدو هذا التعريف نبيلًا على السطح، لكن عند تطبيقه في الواقع، ينتج تناقضًا عميقًا جدًا. إذا كانت الحرية مطلقة، فلماذا يضع الغرب نفسه آلاف القوانين التي تحد من الحرية؟ إذا كانت الحرية أقدس الحقوق، فلماذا يمكن لحرية التعبير في الغرب أن تدمر مسيرة شخص只因 تغريدة واحدة؟
يبدأ المفكرون الليبراليون النقاش حول الحرية بوضع الإنسان في مركز كل شيء (مركزية الإنسان). يناقشون: “الإنسان سيد نفسه. لا أحد يحق له تنظيم حياته إلا نفسه.”
عندما نحاول فهم الحرية بوضع الإنسان سيدًا لنفسه، سيصطدم عقلنا حتمًا بجدار. لماذا؟ لأن الإنسان في جوهره مخلوق ضعيف ومحدود. لا يستطيع خلق نفسه. لا يستطيع ضمان النفس التالي. لا يستطيع رفض الموت عندما يحين أجله. كيف لمخلوق محدود بكل هذا أن يدعي أنه سيد حر مطلق؟
أدرك الشيخ تقي الدين النبهاني هذا المأزق المنهجي. في مفاهيم حزب التحرير الجزء الثالث، أكد أن بحث الحرية ليس بحثًا عن حق مطلق للإنسان، بل بحث عن حق منحه الله للإنسان في إطار الشريعة.
يجب تغيير بؤرة السؤال. ليس السؤال: “إلى أي مدى أكون حرًا في فعل ما أريد؟” بل السؤال: “لماذا أعطاني الله هذه الحرية، وكيف أستخدمها لأحصل على رضاه؟”
وبتغيير نقطة الانطلاق هذه، أصبحت مشكلة الحرية التي بدت معقدة ومليئة بالتناقضات بسيطة وسهلة الفهم لأي شخص، حتى للعامة.
2. حقيقة الحرية: بين الأسطورة والواقع
يظن كثير من الناس أن الحرية تعني عدم وجود سيد، وعدم وجود من ينظم، وعدم وجود حدود إطلاقًا. هذه أكبر أسطورة باعتها الحضارة الغربية للعالم كله.
الواقع: كل إنسان حتمًا له “سيد”. لا إنسان على وجه الأرض حر حقًا من العبودية. السؤال ليس “حر من سيد أم لا”، بل “من هو السيد الذي اخترته؟”
قال الله ﷻ:
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات: 56)
هذه الآية تصرح بوضوح أن هدف خلق الجن والإنس هو العبادة (التعبد لله). هذه هي الحقيقة الوجودية للإنسان. خُلق الإنسان ليكون عبدًا لله. عندما يرفض الإنسان التعبد لله، لا يصبح حرًا — بل ينتقل فقط من عبودية إلى عبودية أخرى.
من ترك التعبد لله، سيصبح عبدًا لـ:
- هوى نفسه — لا يستطيع التحكم في نفسه عن المعصية، مستعبد للرغبات الجنسية ورغبات الأكل والشرب المفرطة والرغبات الدنيئة الأخرى.
- المادة والمال — يعيش فقط لجمع المال، مستعد للتضحية بالوقت والصحة بل والدين من أجل المنصب والثروة.
- بشر آخرين — خائف من الرؤساء، راجٍ للمسؤولين، متذلل أمام الأغنياء، وشاعر بالدونية أمام الحكام.
- أنظمة وأيديولوجيات من وضع البشر — مستعبد لقوانين لم يضعها بنفسه، مجبر على الخضوع لقواعد تتعارض مع فطرته.
وصف الله ﷻ من اتخذ هواه إلهًا بجمال شديد:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (سورة الجاثية: 23)
الحرية الحقيقية ليست الحرية من كل عبودية — لأن هذا مستحيل. الحرية الحقيقية هي الحرية من كل العبوديات الزائفة، حتى يتعبد الإنسان لله ﷻ وحده.
3. تعريف الحرية في الثقافة الإسلامية
إذن، ما هو تعريف الحرية في الإسلام حقًا؟
قدم الشيخ تقي الدين النبهاني في مفاهيم حزب التحرير تعريفًا دقيقًا جدًا:
الْحُرِّيَّةُ: هِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْتَّرْكِ بِاخْتِيَارٍ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ فِي إِطَارِ الشَّرِيعَةِ
يحتوي هذا التعريف على عدة عناصر مفتاحية يجب تشريحها واحدًا تلو الآخر.
أولًا، الحرية قدرة (القدرة). يقر الإسلام بأن الإنسان يملك القدرة على الاختيار والتصرف. هذا يختلف عن النظرة الحتمية التي تقول إن الإنسان بلا إرادة إطلاقًا. يضع الإسلام الإنسان كمخلوق يملك عقلًا واختيارًا، وهذا ما يميزه عن الملائكة (التي بلا اختيار، دائمًا مطيعة) والحيوانات (التي تتبع الغريزة بلا تفكير).
ثانيًا، الحرية باختيار (باختيار). لا إكراه في الإسلام لإجبار شخص على اختيار ما ليس من حقه. قال الله ﷻ:
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْتَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (سورة البقرة: 256)
ثالثًا، الحرية في إطار الشريعة (في إطار الشريعة). هذا هو العنصر الذي يميز حرية الإسلام عن حرية الغرب. حرية الإسلام ليست بلا حدود. حدودها هي شريعة الله. تنتهي حرية شخص عندما يبدأ في انتهاك قوانين الله.
الجدول 1: مقارنة النظرة الغربية والإسلامية حول الحرية
| الجانب | النظرة الغربية | النظرة الإسلامية |
|---|---|---|
| مصدر الحرية | من البشر (دستور، إعلان حقوق إنسان) | من الله (الشريعة) |
| الحدود | عدم إضرار الآخرين (ذاتي جدًا) | عدم مخالفة شريعة الله (واضح وموضوعي) |
| الهدف | رضا الفرد وتحقيق ذاته | رضا الله والتعبد له |
| المسؤولية | تجاه الدولة والآخرين | تجاه الله والدولة |
| الطبيعة | مطلقة (ليبرالية) | محدودة بالشريعة |
هذا الفرق الجوهري ليس مجرد فرق فلسفي. ينتج تبعات واقعية جدًا في كيفية عيش الإنسان حياته.
4. الحرية الحقيقية: تحرير النفس من العبوديات الزائفة
لفهم لماذا حرية الإسلام أكثر تحريرًا من حرية الغرب، لنستخدم تشبيهًا سهل التخيل.
تخيل طائرًا عاش طيلة حياته في قفص ذهبي. القفص جميل جدًا، مزین بالجواهر، ومزود بأفضل الطعام. الطائر “حر” في التحرك داخل القفص — يمكنه الطيران من عمود لآخر، والأكل متى شاء، والنوم في عش وثير. يقول صاحب القفص: “أنت حر هنا. افعل ما تشاء.”
لكن هل هذا الطائر حر حقًا؟ لا. لا يستطيع الطيران إلى السماء الزرقاء. لا يستطيع الشعور بالريح تحت جناحيه. لا يستطيع استكشاف الغابات والأنهار والجبال. حريته وهم، لأنه محدد بقضبان لا يراها — لأن القضبان من ذهب لامع.
الآن، تخيل أن هذا الطائر يُحرر من القفص. يطير إلى السماء الواسعة. يشعر بالريح تحت جناحيه. يستكشف عالمًا بلا حدود. هل هو الآن بلا حدود؟ لا أيضًا. يبقى خاضعًا لقوانين الطبيعة: لا يستطيع الطيران إلى الفضاء لأنه لا أكسجين، ولا يستطيع الغوص إلى قاع البحر لأن رئتيه ليست خياشيم، ويجب أن يأكل ويشرب ليبقى حيًا.
لكن هذه الحدود الطبيعية ليست سجنًا. هذه الحدود في الحقيقة تحميه. إذا أجبر الطائر نفسه على الطيران إلى الفضاء، سيموت. إذا أجبر نفسه على الغوص إلى قاع البحر، سيغرق. هذه الحدود الطبيعية نعمة تمكنه من العيش حسب فطرته كطائر.
هكذا حرية الإسلام. شريعة الله ليست قضبان قفص تسجن الإنسان. شريعة الله هي “قوانين الطبيعة الروحية” التي تحمي الإنسان من الدمار. عندما ينفذ الإنسان الشريعة، لا يشعر بالسجن — بل يشعر بالحرية والطمأنينة والتوافق مع فطرته. وعندما يخالف الشريعة، لا يشعر بالحرية — بل يشعر بالقلق والفراغ والدمار من الداخل.
قال الله ﷻ:
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (سورة الأنعام: 125)
هذه هي الحرية الحقيقية: عندما يتسع صدرنا بطاعة الله، وعندما نتحرر من كل العبوديات الزائفة التي كانت تقيد أرواحنا.
5. أنواع الحرية في الإسلام
لا يعطي الإسلام الحرية بشكل عام ومجرد. الإسلام يفصل الحرية إلى عدة أنواع محددة، كل منها بحدوده ومسؤولياته الخاصة.
حرية الدين
يعطي الإسلام حرية كاملة لكل فرد لاعتناق الدين الذي يختاره. لا إكراه في دخول الإسلام. هذا مبدأ أكد عليه القرآن قبل 1400 عام، قبل ولادة إعلان حقوق الإنسان للأمم المتحدة بقرون.
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (سورة الكافرون: 6)
لكن حرية الدين في الإسلام لها تبعات واضحة. بعد أن يختار شخص دخول الإسلام، يرتبط بالشريعة الإسلامية. وإذا اختار شخص الخروج من الإسلام (الردة)، سيواجه تبعات قانونية في الدنيا وعقابًا في الآخرة. هذا ليس انتهاكًا للحرية — بل هو نتيجة منطقية لاختيار تم بوعي.
حرية التفكير
يشجع الإسلام أمته على التفكير والتأمل واستخدام العقل. القرآن يدعو البشر مرارًا للتفكير: “أفلا تعقلون؟”، “أفلا تتفكرون؟”، “أفلا ينظرون؟”.
فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (سورة الحشر: 2)
لكن حرية التفكير في الإسلام لها حدود عقلانية جدًا. العقل يُستخدم لفهم الوحي، لا للحكم على الوحي. العقل له مجال يمكنه بلوغه: الأمور المحسوسة والمعقولة. العقل لا يستطيع بلوغ الغيبيات — مثل ذات الله وصفاته أو الحياة الآخرة — إلا بهدي الوحي. إجبار العقل على بلوغ ما خارج طاقته هو غرور فكري سيضل بالضرورة.
حرية التعبير
يعطي الإسلام حرية الكلام وإبداء الرأي. بل يوجب الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — وهو ما لا يمكن القيام به بدون حرية التعبير.
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة آل عمران: 104)
لكن حرية التعبير في الإسلام لها حدود واضحة: لا يجوز سب الدين، ولا يجوز نشر الكذب والافتراء، ولا يجوز كشف عورات النفس أو الآخرين، ولا يجوز الدعوة إلى المنكر. هذه الحدود ليست لإسكات الحرية — بل لحماية المجتمع من الدمار الناتج عن التعبير غير المسؤول.
6. حدود الحرية: لماذا الشريعة تحرر بالذات
الإسلام ليس فوضى. حرية الإسلام لها حدود واضحة وحاسمة. هذه الحدود حددها الله ﷻ وتُسمى حدود الله.
قال الله ﷻ:
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا (سورة البقرة: 187)
لاحظ أن الله لم يقل “فلا تتجاوزوها”، بل قال “فلا تقربوها”. هذا يدل على أن حدود الشريعة ليست مجرد خط أحمر يمكن الاقتراب منه طالما لم يُتجاوز. حدود الشريعة هي منطقة حماية يجب الحفاظ على مسافة منها.
الجدول 2: حدود الحرية في مختلف جوانب الحياة
| المجال | حد الشريعة | هدف الحماية |
|---|---|---|
| المعاشرة | تحريم الزنا والخلوة والاختلاط | حفظ النسل والعرض |
| المأكل والمشرب | الحلال والحرام (الخنزير والخمر والميتة) | حفظ العقل والصحة |
| الملبس | ستر العورة للرجل والمرأة | حفظ الكرامة والطهارة |
| الاقتصاد | تحريم الربا والقمار والغرر | حفظ العدل والمال |
| السياسة | الطاعة لولي الأمر في المعروف | حفظ الاستقرار والوحدة |
غالبًا ما يطرح سؤال: “لماذا يحرم الإسلام كثيرًا؟ أليس التحريم يحد من الحرية؟”
ينبع هذا السؤال من فهم خاطئ لوظيفة التحريم. التحريم في الشريعة ليس لتقييد الحرية — التحريم في الشريعة هو لحماية الحرية نفسها.
لنستخدم تشبيهًا بسيطًا. ملعب أطفال له سور حوله. السور يحدد منطقة اللعب. لكن هل السور يحد من حرية الطفل؟ لا. السور في الحقيقة يحمي الطفل من الجري إلى الشارع المليء بالسيارات. السور يحرر الطفل للعب بأمان داخل الملعب، بلا خوف من خطر خارجي.
شريعة الله هي “السور” الذي يحمي الإنسان من الدمار. تحريم الزنا يحمي الإنسان من الأمراض المعدية والأطفال غير الشرعيين ودمار مؤسسة الأسرة. وتحريم الربا يحمي الإنسان من الاستغلال الاقتصادي والفجوة الاجتماعية. وتحريم الخمر يحمي الإنسان من تلف العقل وفقدان الكرامة الإنسانية.
قال رسول الله ﷺ:
لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (رواه ابن ماجه)
هذا المبدأ هو أساس كل حدود الحرية في الإسلام. تنتهي حرية شخص عندما يبدأ في إضرار نفسه أو إضرار الآخرين أو إضرار المجتمع ككل.
7. نقد الحرية الغربية: وهم يوقع في الفخ
بعد أن فهمنا مفهوم الحرية في الإسلام، لنلتفت لحظة لننتقد مفهوم الحرية الذي تحمله الحضارة الغربية. هذا النقد ليس مبنيًا على كراهية أو تحيز، بل على تحليل عقلاني للواقع الحاصل.
الحرية الغربية تجعل الإنسان عبدًا لهواه
عندما لا تكون هناك حدود من الله، لا يصبح الإنسان حرًا — بل يصبح عبدًا لرغباته. هذه أكبر مفارقة في الليبرالية: تعد بالحرية، لكنها تنتج أعمق عبودية.
قال الله ﷻ:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ (سورة الفرقان: 43)
ادعاء الحرية الجنسية في الغرب أنتج واقعًا محزنًا جدًا: انتشار الزنا، والأمراض المنقولة جنسيًا بلا سيطرة، وارتفاع حاد في الأطفال المولودين خارج الزواج، ودمار مؤسسة الأسرة. وادعاء حرية التعبير أنتج إباحية يستهلكها الأطفال، وأخبارًا كاذبة تفرق المجتمع، وافتراءات تدمر سمعة أبرياء. وادعاء الحرية الاقتصادية أنتج رأسمالية تستغل الدول الفقيرة، وفجوة تتسع، ودمار بيئي يهدد مستقبل البشرية.
الحرية الغربية وهم فقط
يشعر الغربيون بالحرية، لكنهم في الحقيقة مستعمرون في جوانب كثيرة لا يدركونها.
مستعمرون بالنظام الرأسمالي — يجب العمل ليلًا ونهارًا فقط لسداد الديون وأقساط المنزل وبطاقات الائتمان. ومستعمرون بالإعلام — أفكارهم وآراؤهم تتحكم فيها سرديات تبنيها شركات إعلام عملاقة. ومستعمرون بصناعة الإعلانات — استهلاكهم يتحكم فيه خوارزميات تعرف بالضبط نقاط ضعفهم النفسية.
هم أحرار في الاختيار، لكن الخيارات نفسها محددة مسبقًا بالنظام. مثل مشتري في سوبر ماركت يشعر بـ”الحرية” في الاختيار بين 50 علامة تجارية من الحبوب — بينما كل العلامات مملوكة لـ 3 شركات أمومية نفسها. هذا النوع من الحرية وهم دقيق جدًا.
الحرية الغربية تدمر النظام الاجتماعي
عندما يكون كل شخص حرًا بلا حدود، ينهار النظام الاجتماعي. تتفكك الأسر لأن الزوج والزوجة يشعران بـ”الحرية” في الخيانة. يصبح المجتمع فرديًا لأن كل شخص مشغول بحريته الخاصة ولا يهتم بالآخرين. ترتفع الجريمة لأنه لا خوف من الله — القانون البشري يمكن التحايل عليه والرشوة والتلاعب. تتدهور الصحة النفسية لأن الحرية بلا معنى تنتج خواءً وجوديًا — الاكتئاب والقلق والانتحار يرتفع في أكثر الدول “حرية” في العالم.
الجدول 3: ادعاءات الحرية الغربية مقابل الواقع الحاصل
| ادعاء الغرب | الواقع الحاصل |
|---|---|
| ”الحرية الجنسية تحرر الإنسان” | انتشار الزنا والأمراض المعدية والأطفال غير الشرعيين ودمار الأسر |
| ”حرية التعبير تحمي الحقيقة” | إباحية وأخبار كاذبة وافتراءات وخطاب كراهية |
| ”الحرية الاقتصادية تخلق الرخاء” | رأسمالية واستغلال وفجوة ودمار بيئي |
| ”حرية الدين تضمن التسامح” | علمانية وإلحاد وتعصب ضد الدين الذي ينظم الحياة العامة |
8. الحرية والمسؤولية: وجهان لعملة واحدة
كل حرية في الإسلام تسير جنبًا إلى جنب مع المسؤولية. هذا مبدأ لا يمكن فصله. حرية بلا مسؤولية فوضى. ومسؤولية بلا حرية اضطهاد. الإسلام يوازن بينهما بشكل مثالي.
قال رسول الله ﷺ:
كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (متفق عليه)
هذا الحديث عميق المعنى. كل إنسان “راعٍ” على حريته الخاصة. كل إنسان سيُساءل عن كيفية استخدامه لحريته. هل استخدم حريته في طاعة الله؟ أم استخدمها في معصيته؟
الجدول 4: أزواج الحرية والمسؤولية في الإسلام
| الحرية | المسؤولية المرافقة |
|---|---|
| الدين | المسؤولية عن الاختيار أمام الله في الآخرة |
| التفكير | استخدام العقل فيما ينفع لا في الضلال |
| التعبير | حفظ الصدق وعدم الإيذاء وعدم نشر الافتراء |
| الاقتصاد | دفع الزكاة وتجنب المعاملات المحرمة وعدم الغش |
| السياسة | تقويم الحاكم بالمعروف وعدم الخروج عليه |
المصلحة العامة (المصلحة العامة) أيضًا اعتبار مهم في تقييد الحرية. يمكن تقييد الحرية الفردية عندما تتعارض مع مصلحة المجتمع ككل. تُقيد حرية الكلام عند انتشار الافتراء — لحفظ العرض ووحدة الأمة. وتُقيد الحرية الاقتصادية بالزكاة — لضمان العدل الاجتماعي ومنع تكدس المال في يد قلة. وتُقيد حرية الحركة بالحجر الصحي — لحماية الصحة العامة من الأوبئة.
كل هذا ليس اضطهادًا. كل هذا تجسيد لعدل الإسلام الذي يوازن بين حق الفرد وحق المجتمع.
9. الحرية في نظام الخلافة الإسلامية
كيف تُضمن الحرية في نظام الخلافة الإسلامية؟ هذا سؤال يطرحه كثير ممن لم يفهموا نظام الحكم الإسلامي.
في نظام الخلافة، تُحمى الحرية بطريقة واضحة ومنظمة جدًا. غير المسلمين تُحمى حريتهم في العبادة حسب دينهم. والمسلمون تُحمى حريتهم في النقاش والتفكير وإبداء الرأي في حدود الشريعة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُحمى — بل واجب — فكل مواطن يملك حق وواجب تقويم الحاكم عندما ينحرف عن الطريق الصحيح.
لا تقيد الخلافة الحرية بشكل تعسفي. الحدود تُوضع فقط لأربعة أهداف جوهرية جدًا:
- حفظ عقيدة الأمة — ألا يفسد أحد أساس إيمان المجتمع الإسلامي.
- حفظ أمن الدولة — ألا يهدد أحد الاستقرار وسيادة الدولة.
- حفظ أخلاق المجتمع — ألا ينشر أحد المنكر بشكل علني.
- حفظ حقوق الآخرين — ألا تسلب حرية شخص حرية شخص آخر.
هذه هي الحرية الحقيقية: عندما يستطيع كل شخص ممارسة حقه دون سلب حق الآخرين، في إطار شريعة تضمن العدل للجميع.
10. الخلاصة: تأثير عقيدة الحرية على الشخصية الإسلامية
فهم الحرية بمنظور ثقافة حزب التحرير هذا ليس مجرد نظرية سياسية تحلّق في قاعات المحاضرات. إنها عقيدة ثورية قادرة على تغيير عقلية الشخص بشكل جذري.
عندما يفهم المسلم عقيدة الحرية حقًا ويغرسها في قلبه، ستنبثق شخصية إسلامية (الشخصية الإسلامية) قوية جدًا:
شخصية لا تخضع لغير الله. لا تخاف من حاكم ظالم. ولا ترجو بشرًا. ولا تبيع دينها بمنصب أو مال. تعرف أن الحرية الحقيقية هي عندما تتعبد لله وحده — وعندما تصبح عبدًا لله، لا تحتاج لأن تكون عبدًا لأحد بعد.
شخصية لا تنخدع بوهم الحرية الغربية. لا تُبهر ببريق الليبرالية الذي يعد بالحرية لكنه ينتج عبودية الهوى. ترى بوضوح أن الحرية بلا شريعة سجن قضبانه من ذهب — يبدو جميلًا، لكنه يبقى سجنًا.
شخصية مسؤولة بالكامل. لا تلوم “النظام” أو “البيئة” على المعاصي التي ترتكبها. تعرف أن لديها حرية اختيار (اختيار) وستقف وحدها أمام الله لتحاسب على كل اختيار.
شخصية هادئة غير قلقة. لا تشعر بالسجن من الشريعة. بل تشعر بالحرية واتساع الصدر عند تنفيذ أمر الله واجتناب نهيه. تعرف أن الشريعة رحمة لا عذاب. الشريعة حماية لا سجن.
شخصية تناضل من أجل حرية الأمة. لا تكتفي بالحرية الشخصية فقط. تريد لكل البشرية أن تشعر بالحرية الحقيقية — الحرية من استعمار الفكر واستعمار الاقتصاد واستعمار السياسة. تريد إقامة الخلافة التي ستحرر البشر من العبودية للبشر إلى العبودية لله ﷻ وحده.
هذا صفاء فهم الإسلام للحرية. الفهم الذي يحرر الإنسان من وهم الحرية المطلقة ويحرره في الوقت نفسه من اضطهاد الشمولية. الفهم الذي يضع الإنسان في مكانه الصحيح: كعبد لله مُعطى حرية الاختيار في إطار الشريعة، وسيُحاسب على كل اختياره في اليوم الآخر.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (سورة البقرة: 201)
مقالات ذات صلة: