الاجتهاد والتقليد: الحفاظ على عذوبة نبع الشريعة

level-3 islamic-thought
#اجتهاد #تقليد #اتباع #قانون إسلامي #مجتهد #فقه #تبني

فهم مفهومي الاجتهاد والتقليد في الإسلام - كيف تبقى الشريعة صالحة لكل عصر، ومن يحق له استنباط أحكام الله، ومتى يجب علينا تقليد العلماء.

الاجتهاد والتقليد: الحفاظ على عذوبة نبع الشريعة

“ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء” (سورة النحل: 89)

كيف يمكن لشريعة نزلت قبل أربعة عشر قرنًا في الجزيرة العربية أن تقدم إجابات كافية لقضايا لم تخطر ببال البشر حينها قط؟ هذا السؤال ليس مجرد فضول أكاديمي. إنه سؤال يتعلق باستمرار الإسلام نفسه كطريقة حياة شاملة.

تخيل: رسول الله ﷺ لم يرَ شاشة كمبيوتر قط، ولم يسمع دوي محركات الطائرات، ولم يعرف مفهوم التحويل المالي الرقمي الذي يعبر القارات في ثوانٍ. لكن اليوم، يُطلب من المسلمين اتخاذ موقف: هل يجوز تداول العملات الرقمية؟ ما حكم أطفال الأنابيب؟ هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شاهدًا في المحكمة؟ من المسؤول إذا اصطدمت سيارة ذاتية القيادة بمشاة؟

هنا تكمن أهمية بحث الاجتهاد والتقليد. هذان المفهوم هما الآلية الداخلية للشريعة الإسلامية لتبقى عذبة وذات صلة وقادرة على الإجابة عن كل تحديات العصر دون أن تفقد نقاءها الأصلي. بدون الاجتهاد، ستتجمد الشريعة وتصبح أحفورة بلا فائدة. وبدون التقليد، سيضل العامة في بحر أدلة لا يفهمونها.

عبر تاريخ الفكر الإسلامي، كان هذان المفهومان ساحة نقاش حاد. فريق يدعي أن باب الاجتهاد أُغلق منذ القرن الرابع الهجري. وفريق آخر يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه حتى يشعر كل شخص بأنه يحق له تحديد الحكم حسب ذوقه. كلا الطرفين خاطئ وخطير بنفس القدر.

حزب التحرير، من خلال الأعمال الأساسية للشيخ تقي الدين النبهاني — خاصة في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث — يقدم منهجًا صافيًا ومنهجيًا ومقنعًا للعقل. هذا المنهج لا يقع في رومانسية الماضي التي تدعي أن الأجيال بعد أئمة المذاهب لم تعد قادرة على الاجتهاد. لكنه أيضًا لا يقع في ليبرالية التفكير التي تسمح لأي كان، حتى من لا يملك زادًا علميًا، بالتلاعب بأحكام الله.

لنشرح هذه القضية بشكل منهجي، حتى نفهم بدقة موقعنا كمسلمين نعيش في العصر الحديث، وكيف يجب أن نتعامل مع أحكام الله التي تحتاجها الحياة باستمرار.


1. العقل وحدوده: لماذا تحتاج الشريعة آلية لاستنباط الأحكام

القرآن والسنة نزلا كاملين ومتكاملين. لا قضية من قضايا الحياة خارجة عن هدايتهما. لكن هذه النصوص المقدسة لم تأتِ في شكل كتاب قانون مرتب مادة مادة مثل القوانين الحديثة. آيات الأحكام في القرآن عددها محدود نسبيًا — يحسب العلماء حوالي خمسمائة آية أحكام من أصل أكثر من ستة آلاف آية. والأحاديث المتعلقة مباشرة بالأحكام أيضًا موزعة بين آلاف الأحاديث الأخرى، وليس كلها بنفس درجة الصحة.

هنا تظهر الحاجة الأساسية: كيف نربط النصوص المقدسة المحدودة العدد بواقع الحياة غير المحدود التنوع؟

يحتاج العقل البشري لمنهج لاستنباط الأحكام من هذه المصادر. هذا المنهج هو ما يُسمى في مصطلح أصول الفقه باستنباط الأحكام. ومن يقوم بعملية الاستنباط هذه بجد، باستخدام كل طاقته العلمية، يُسمى مجتهدًا. والعملية التي يقوم بها تُسمى اجتهادًا.

أكد الشيخ تقي الدين النبهاني في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث أن الاجتهاد ليس خيارًا يمكن تركه. إنه فرض كفاية يجب وجوده في كل جيل من أجيال المسلمين. إذا لم يوجد مجتهد واحد في عصر معين، فأثم كل الأمة. لماذا؟ لأنه بدون الاجتهاد، لا يمكن تطبيق الشريعة على القضايا الجديدة. وبدون تطبيق الشريعة على القضايا الجديدة، تفقد الإسلام وظيفته كـ صالح لكل زمان ومكان.

قال الله ﷻ:

وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۖ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (سورة النحل: 64)

هذه الآية تصرح بأن وظيفة القرآن هي التبيين (لتبين) — وعملية التبيين هذه تحتاج جهدًا فكريًا جادًا، أي الاجتهاد.

لكن يجب فهمه بوضوح شديد: الاجتهاد لا يبتكر حكمًا جديدًا. الاجتهاد فقط يكتشف الحكم الموجود في الأدلة الشرعية. المجتهد كعالم آثار يحفر عن قطعة أثرية مدفونة في الأرض. القطعة الأثرية موجودة قبل الحفر. العالم لم يبتكرها، بل كشفها من تحت طبقات التراب. كذلك المجتهد: حكم الله موجود في القرآن والسنة، والمجتهد يحاول كشفه حتى يُفهم ويُعمل به.


2. تعريف الاجتهاد: ماذا يحدث حقًا عندما يجتهد عالم

الِاجْتِهَادُ: هُوَ بَذْلُ الْفَقِيهِ وُسْعَهُ لِاسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ

يحتوي هذا التعريف على عدة عناصر مهمة جدًا لا يجوز إغفالها.

أولًا، الاجتهاد بذل الوسع (بذل الوسع). هذا ليس نشاطًا عابرًا يمكن القيام به على الهامش. الاجتهاد يتطلب من عالم أن يوظف كل طاقته الفكرية، ويستنفد كل زاده العلمي، ويعمل بجد استثنائي. يجب على المجتهد تتبع القرآن آية آية، وحديثًا حديثًا، وفهم سياق النزول، وتحليل قوة الدليل، ومقارنة رواية برواية أخرى، وتطبيق قواعد أصول الفقه الصارمة.

ثانيًا، يجب أن يكون المجتهد فقيهًا. ليس أي شخص يقرأ القرآن ثم يدعي القدرة على استنباط الأحكام. الاجتهاد يتطلب كفاءة علمية عالية جدًا ومحددة جدًا.

ثالثًا، المستنبَط هو الحكم الشرعي. ليس حكم العقل، ولا حكم العادة، ولا الحكم الوضعي من وضع البشر. المطلوب هو الحكم من الله ﷻ عبر الأدلة الشرعية.

رابعًا، مصدر الاستنباط هو الأدلة الشرعية. لا يجوز أن ينبع الاجتهاد من الرغبة الشخصية أو الضغط السياسي أو الاتجاه الاجتماعي أو المصلحة الاقتصادية. المصدر الوحيد الصحيح هو القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس — حسب منهج الاستنباط الذي حدده أصول الفقه.

قال الله ﷻ:

فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (سورة النحل: 43)

هذه الآية تحمل معنيين معًا. من ناحية، تأمر العامة بسؤال أهل العلم — وهذا أساس التقليد. ومن ناحية أخرى، تشير إلى وجود “أهل ذكر” يملكون القدرة على الإجابة بناءً على علمهم — وهذا العلم حصلوا عليه عبر عملية الاجتهاد.

وحذر رسول الله ﷺ أيضًا بشدة ممن يفتي بلا كفاءة:

مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ (رواه أبو داود وابن ماجه)

هذا الحديث يدل على أن الإفتاء — الذي هو ثمرة الاجتهاد — أمر خطير جدًا وخطير جدًا إذا قام به غير المؤهل.


3. شروط المجتهد: الباب الذي لا يفتح للجميع

لا يجوز لكل أحد أن يجتهد. هذا مبدأ اتفق عليه كل علماء أصول الفقه، بما فيهم الشيخ تقي الدين النبهاني. الاجتهاد ليس حقًا ديمقراطيًا يمكن ادعاؤه من أي كان. يتطلب مؤهلات علمية صارمة جدًا ومحددة جدًا.

فصل الشيخ تقي الدين النبهاني في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث شروط المجتهد كالتالي:

أولًا، إتقان اللغة العربية بعمق. يجب على المجتهد فهم النحو والصرف والبلاغة وعلوم اللغة العربية الأخرى. لماذا؟ لأن القرآن نزل بالعربية، وسنة النبي ﷺ أيضًا بالعربية. بدون إتقان اللغة العربية بعمق، لن يستطيع العالم فهم nuances المعنى، والفرق بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، والأمر الذي يفيد الوجوب والذي يفيد الاستحباب.

ثانيًا، إتقان القرآن والعلوم المتعلقة به. يجب على المجتهد معرفة آيات الأحكام، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والتفاسير المعتبرة. ويجب أن يميز بين الآية العامة والخاصة، والمطلقة والمقيدة.

ثالثًا، إتقان السنة وعلوم الحديث. يجب على المجتهد أن يميز بين الحديث الصحيح والحسن والضعيف. ويجب أن يفهم علم الجرح والتعديل، ويعرف أسباب الورود، ويفهم السياق التاريخي لكل حديث يستدل به.

رابعًا، إتقان علم أصول الفقه. هذا علم قواعد الاستنباط — كيف نستنبط الحكم من الدليل. بدون أصول الفقه، سيكون العالم كمهندس لا يفهم مبادئ الهيكل الإنشائي: قد يرتب الأدلة، لكنه لا يعرف كيف يستنتج الحكم الصحيح منها.

خامسًا، معرفة الإجماع. يجب على المجتهد معرفة المسائل التي اتفق عليها العلماء حتى لا يخرج برأي مخالف للإجماع. إذا اجتهد في مسألة فيها إجماع، فاجتهاده باطل ومردود.

سادسًا، فهم الواقع (الواقع) موضوع الحكم. شدد الشيخ تقي الدين النبهاني على هذا الجانب جدًا. لا يكفي المجتهد أن يتقن الأدلة الشرعية فقط. يجب أن يفهم بعمق واقع القضية التي سيحكم عليها. كيف يمكن لعالم أن يحكم على العملات الرقمية إذا لم يفهم ما هو البلوك تشين وما هو اللامركزية وكيف تعمل المعاملات فيها؟ كيف يمكن لعالم أن يحكم على أطفال الأنابيب إذا لم يفهم عملية الإخصاب في المختبر؟

الجدول 1: شروط المجتهد عند الشيخ تقي الدين النبهاني

الشرطسبب الحاجةنتيجة عدم توفره
اللغة العربيةالقرآن والسنة بالعربيةسوء فهم معنى الدليل
علم القرآنالمصدر الأول للتشريععدم معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول
علم الحديثالمصدر الثاني للتشريعاستخدام الحديث الضعيف كدليل
أصول الفقهمنهج استنباط الحكمعدم القدرة على استنتاج صحيح
معرفة الإجماعالحماية من الانحرافإخراج رأي مُجمع عليه
فهم الواقعتطبيق الحكم على الواقعتطبيق الدليل على سياق خاطئ

هذه الشروط ثقيلة جدًا. ليس مستغربًا أن عدد المجتهدين في كل جيل قليل جدًا. وهذا هو الأساس المنطقي لماذا معظم المسلمين — حتى في العصر الذهبي للإسلام — في موقع التقليد، أي اتباع آراء المجتهدين دون معرفة تفصيل الأدلة وراء هذه الآراء.


4. التشبيه الأول: عامل منجم الذهب ومستخدم الحلي

لفهم العلاقة بين الاجتهاد والتقليد، لنستخدم تشبيهًا غنيًا وعميقًا.

تخيل شريعة الله كـ طبقة من الذهب الخالص مخزنة بعيدًا في باطن الأرض. الذهب موجود — حقيقي وقيم ويحتاجه البشر. لكن الذهب لا يظهر على سطح الأرض بنفسه. يجب التنقيب عنه واستخراجه وتصفيته وصياغته ليصبح حليًا مفيدًا.

المجتهد هو عامل منجم ذهب خبير جدًا. يملك أدوات كاملة: خريطة جيولوجية (علم أصول الفقه)، ومطرقة وإزميل (اللغة العربية وعلم التفسير)، ومنخل ذهب (علم الحديث)، وفرن صهر (فهم الواقع). قضى سنوات يتعلم التنقيب، ويتدرب تحت إشراف عمال منجم كبار، ويشحذ مهارته حتى يستطيع التمييز بين الذهب الخالص والحجر العادي الذي يلمع فقط كالذهب.

عندما يجد هذا العامل الذهب، لم يبتكره. الذهب موجود في الأرض منذ ملايين السنين. ما فعله هو كشف الذهب من تحت طبقات الصخور والتراب، وتنظيفه من الشوائب، وصياغته ليصبح حليًا يمكن استخدامه.

المقلد — العامي الذي يقلد — هو مستخدم الحلي. لا يملك مهارة التنقيب. لا يملك خريطة جيولوجية. لا يعرف التمييز بين الذهب الخالص والذهب المزيف. لكنه يحتاج الذهب لحلي حياته: للصلاة، وللتجارة، وللزواج، وللمعاملة مع الآخرين.

ماذا يفعل مستخدم الحلي؟ يثق بعامل منجم الذهب الخبير. يثق أن الذهب الذي أعطاه العامل ذهب أصلي، ليس نحاسًا مصبوغًا بالأصفر. لا يحتاج لفهم عملية التنقيب ليستخدم الحلي. ما يحتاجه هو الثقة بأن مصدر الحلي موثوق.

السؤال: هل مستخدم الحلي غبي لأنه لا يستطيع التنقيب بنفسه؟ بالطبع لا. إنه ذكي لأنه يعرف حدود قدرته ويثق في أمر خارج خبرته لأهله. الأحمق هو من يجرؤ على التنقيب بنفسه بلا علم ولا أدوات ولا تدريب — ثم يدعي أن الحجر العادي الذي وجده على ضفة النهر ذهب خالص.

كذلك التقليد. العامي الذي يقلد مجتهدًا مؤهلًا ليس شخصًا غبيًا أو كسولًا عن التفكير. إنه شخص ذكي وواقعي: يعرف أن الاجتهاد يتطلب كفاءة لا يملكها، ويختار اتباع رأي من يملك هذه الكفاءة. هذا موقف عقلاني وحميد ومتوافق مع أمر الله في سورة النحل: 43.


5. التقليد: واجب من ليس بمجتهد

التَّقْلِيدُ: هُوَ اتِّبَاعُ قَوْلِ غَيْرِنَا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ

يجب التأكيد منذ البداية: في مصطلح أصول الفقه لحزب التحرير، التقليد ليس مذمومًا بشكل مطلق. التقليد مذموم فقط في مسائل العقيدة (أصول الدين)، لأن العقيدة يجب أن تقوم على قناعة شخصية نابعة من الفهم والدليل الواضح. لكن في مسائل الفروع (فروع الفقه)، التقليد جائز بل واجب على من ليس بمجتهد.

لماذا واجب؟ لأن الله ﷻ لا يكلف نفسًا إلا وسعها:

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (سورة البقرة: 286)

إذا كان الاجتهاد يتطلب شروطًا علمية ثقيلة — إتقان اللغة العربية والقرآن والحديث وأصول الفقه والإجماع وفهم الواقع — فمن الواضح أن معظم المسلمين لا يملكون القدرة على الاجتهاد. إجبارهم على الاجتهاد كإجبار مريض على إجراء عملية جراحية لنفسه بلا علم طب. هذا ليس عدلًا. هذا ظلم.

لذلك، أعطى الله رخصة: من لا يستطيع الاجتهاد أُمر بتقليد من يستطيع. هذا معنى سورة النحل: 43: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.”

شرح الشيخ تقي الدين النبهاني في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث أن التقليد في مسائل الفقه له عدة مستويات:

أولًا، تقليد العوام. هذا هو التقليد الذي يقوم به من لا يملك أي زاد فقهي. يسأل عالمًا أو داعية يثق به، ثم يعمل بالجواب دون معرفة دليله. هذا هو أبسط أشكال التقليد وأكثرها شيوعًا.

ثانيًا، تقليد الطالب. هذا هو التقليد الذي يقوم به من يتعلم الفقه. بدأ يفهم الأدلة الأساسية، لكن لا يملك القدرة على الاستنباط بشكل مستقل. لا يزال يتبع آراء العلماء، لكنه يدرس الأسباب وراء هذه الآراء.

ثالثًا، الاتباع. هذا مستوى أعلى من التقليد. في الاتباع، يتبع شخص رأي العالم مع معرفة الدليل الذي يقوم عليه هذا الرأي. ليس مجرد تابع، بل يفهم لماذا قال العالم بذلك. الاتباع هو طريق وسط محبذ جدًا، لأنه يجمع بين الطاعة للعلماء والفهم للدليل.

الجدول 2: مستويات اتباع آراء العلماء

المستوىالتعريفمستوى العلممثال الموقف
التقليداتباع بلا معرفة الدليلعامي”قال الشيخ (أ) حرام، أتبعه.”
الاتباعاتباع مع معرفة الدليلمتوسط”قال الشيخ (أ) حرام بسبب الدليل (س)، وأنا أفهم هذا الدليل.”
الاجتهاداستنباط الحكم بنفسه من الدليلمجتهد”بحثت الأدلة واستنتجت أنه حرام.”

تجدر الإشارة إلى أن الاتباع أولى من التقليد، لكن التقليد يبقى صحيحًا ويكفي الواجب. لا يجب على كل مسلم أن يرتقي لمستوى الاتباع، ناهيك عن الاجتهاد. المهم أن يتبع رأي عالم مؤهل ويمكن الوثوق بعلمه.


6. الشبهة: “باب الاجتهاد أُغلق”

أحد الادعاءات الأشهر — والأكثر تضليلًا — في تاريخ الفكر الإسلامي هو القول بأن “باب الاجتهاد أُغلق” منذ القرن الرابع الهجري. طرح هذا الادعاء بعض علماء من المذهب الشافعي والحنبلي، ثم تبناه على نطاق واسع كثير من الأوساط حتى أصبح نوعًا من العقيدة التي لا يجوز التشكيك فيها.

رد الشيخ تقي الدين النبهاني على هذا الادعاء بحجج قوية جدًا وعقلانية جدًا.

أولًا، لا دليل شرعي يقول إن باب الاجتهاد أُغلق. لا آية قرآنية ولا حديث نبوي يقول إن الاجتهاد سيتوقف في عصر معين. الاجتهاد فرض كفاية — واجب جماعي يجب وجوده في كل جيل. إذا أُغلق باب الاجتهاد، سقط هذا الفرض الكفاية، وهذا يتعارض مع المبدأ الأساسي للشريعة.

ثانيًا، ادعاء “إغلاق باب الاجتهاد” يتعارض مع الواقع التاريخي. حتى بعد القرن الرابع الهجري، لا يزال هناك كثير من العلماء الذين اجتهدوا وأنتجوا آراء جديدة لا تطابق تمامًا آراء أئمة مذاهبهم. الإمام النووي (ت 676 هـ)، والإمام السيوطي (ت 911 هـ)، وكثير من العلماء الآخرين واصلوا الاجتهاد في إطار مذاهبهم.

ثالثًا، هذا الادعاء يتعارض مع حاجة الأمة. القضايا الجديدة تظهر باستمرار في كل عصر. إذا توقف الاجتهاد، فلن تستطيع الشريعة الإجابة عن القضايا الجديدة. وإذا لم تستطع الشريعة الإجابة عن القضايا الجديدة، تفقد الإسلام وظيفته كطريقة حياة شاملة.

رابعًا، ما حدث حقًا ليس “إغلاق باب الاجتهاد”، بل “جمود فكري في بعض الأوساط.” شعر بعض العلماء بالرضا عما استنبطه إمام مذهبهم ولم يشعروا بالحاجة لمزيد من الاجتهاد. هذا موقف شخصي، ليس حكمًا شرعيًا. قد يكون هذا الموقف حميدًا من زاوية التواضع، لكنه لا يمكن أن يكون أساسًا لإغلاق باب الاجتهاد بشكل عام.

يؤكد حزب التحرير أن باب الاجتهاد سيبقى مفتوحًا حتى يوم القيامة. طالما القرآن والسنة موجودان، وطالما قواعد أصول الفقه مفهومة، وطالما يوجد علماء يستوفون شروط الاجتهاد، فسيستمر الاجتهاد. المطلوب ليس فتح باب “مغلق” — لأن الباب لم يُغلق قط — بل تخريج علماء يستوفون الشروط للاجتهاد.

قال الله ﷻ:

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة آل عمران: 104)

هذه الآية تستخدم صيغة المضارع — يدعون، يأمرون، ينهون — التي تدل على أن نشاط الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يستمر بشكل مستمر. وهذا النشاط لا يمكن القيام به بدون اجتهاد مستمر أيضًا.


7. التشبيه الثاني: النهر الجاري والسد الذي يحجز

لفهم أكثر لماذا ادعاء “إغلاق باب الاجتهاد” خاطئ، لنستخدم تشبيهًا ثانيًا.

تخيل الشريعة الإسلامية كـ نهر كبير يتدفق من نبع في الجبال. النبع هو القرآن والسنة — مصدران لا يجفان أبدًا، ولا ينفدان، ولا يفقدان نقاءهما أبدًا. ماء هذا النبع يتدفق باستمرار، عبر الوديان، يروي الحقول، ويمنح الحياة لكل من على طول مجراه.

الاجتهاد هو العملية التي تضمن استمرار تدفق ماء النهر لمناطق جديدة تحتاجه. عندما تتطور الحضارة وتظهر مستوطنات جديدة على طول النهر، تحتاج لقنوات جديدة حتى يصل الماء لهذه المستوطنات. هذه القنوات الجديدة هي اجتهادات جديدة تستنبط أحكامًا لقضايا جديدة.

الآن، تخيل مجموعة تأتي وتقول: “هذا النهر يكفي المناطق الموجودة حاليًا. لا حاجة لقنوات جديدة. باب فتح القنوات الجديدة أُغلق.”

ماذا سيحدث؟ المناطق الجديدة التي ستظهر لاحقًا ستجف. الحقول الجديدة لن تُروى. المستوطنات الجديدة ستموت لعدم وصول الماء. بينما نبع الماء في الجبال لا يزال يتدفق بغزارة — ماؤه لم ينقص، ولم ينفد، ولم يتغير. المشكلة ليست في مصدر الماء، بل في موقف من يرفضون فتح قنوات جديدة.

كذلك الشريعة الإسلامية. القرآن والسنة لم يفقدا قدرتهما على الإجابة عن القضايا الجديدة قط. المشكلة عندما يدعي بعض الأوساط أن الاجتهاد — القناة التي تربط مصدر الشريعة بالواقع الجديد — لم يعد ضروريًا.

لكن يجب أيضًا فهم أن هذا التشبيه له حدود. النهر الذي يتدفق بلا سيطرة يمكن أن يصبح فيضانًا مدمرًا. كذلك الاجتهاد الذي يتم بلا قواعد ولا شروط ولا منهج صحيح، يمكن أن ينتج “أحكامًا” ليست في الحقيقة أحكام الله، بل أحكام هوى مغلفة بأدلة مُساء فهمها.

لذلك، يجب أن يتم الاجتهاد في مسار قواعد أصول الفقه الصارمة، كما يجب أن يتدفق ماء النهر في قناة موجهة حتى لا يصبح فيضانًا مدمرًا. الاجتهاد الصحيح هو الاجتهاد المقيد بالدليل والمقيد بالقواعد والمقيد بالفهم الصحيح للغة العربية والواقع.


8. الاجتهاد في العصر الحديث: من يحق له الاجتهاد اليوم؟

هذا سؤال مهم جدًا وعملي جدًا. إذا قبلنا أن باب الاجتهاد لا يزال مفتوحًا، فمن يحق له الاجتهاد في العصر الحديث؟ هل كل من يحمل دكتوراه في الدراسات الإسلامية يحق له الاجتهاد؟ هل كل داعية مشهور على وسائل التواصل يحق له إصدار الفتاوى؟

قدم الشيخ تقي الدين النبهاني إجابة حاسمة: يحق له الاجتهاد فقط من يستوفي كل شروط المجتهد المذكورة أعلاه. الشهادة الأكاديمية أو الشهرة أو المنصب لا تجعل شخصًا مجتهدًا تلقائيًا. المحدد هو الكفاءة العلمية المحددة والصارمة جدًا.

في العصر الحديث، أصبح تحدي الاجتهاد أكثر تعقيدًا. المجتهد اليوم لا يجب أن يتقن العلوم الشرعية التقليدية فقط. يجب أيضًا فهم الواقع الحديث بعمق — الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والقانون الدولي، والجيوسياسة، وغيرها. بدون فهم كافٍ للواقع، سينتج الاجتهاد أحكامًا غير ذات صلة أو حتى خطيرة.

لذلك، يشدد حزب التحرير على أهمية التعاون بين علماء الشريعة والخبراء في مجالاتهم. المجتهد الذي يريد الحكم على العملات الرقمية يجب أن يستشير خبير تكنولوجيا البلوك تشين. والمجتهد الذي يريد الحكم على أطفال الأنابيب يجب أن يستشير خبير reproduction. والمجتهد الذي يريد الحكم على النظام المصرفي الحديث يجب أن يستشير خبير اقتصاد ومالية.

هذا لا يعني أن المجتهد يسلم القرار القانوني لغير الشرعيين. القرار القانوني يبقى بيد المجتهد بناءً على الأدلة الشرعية. لكن فهم واقع موضوع الحكم — وهو شرط للاجتهاد — يحتاج مساعدة الخبراء.

الجدول 3: أمثلة اجتهاد معاصر يحتاج تعاون

القضية المعاصرةالعلم الشرعي المطلوبالعلم غير الشرعي المطلوب
العملات الرقميةفقه المعاملات والربا والغررتكنولوجيا البلوك تشين وآلية سوق الكريبتو
أطفال الأنابيبفقه النكاح والنسب والميراثreproduction والإخصاب في المختبر وعلم الأجنة
الذكاء الاصطناعيفقه الجنايات والشهادة والمسؤوليةالتعلم الآلي واستقلالية أنظمة الذكاء الاصطناعي
النظام المصرفيفقه المعاملات والربا والمضاربةالاقتصاد الكلي والسياسة النقدية والمشتقات المالية

يؤكد حزب التحرير أيضًا أن الاجتهاد المعاصر يجب أن يقوم على مقاصد الشريعة: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال. كل اجتهاد يتعارض مع هذه المقاصد يجب رفضه، لأنه ليس اجتهادًا صحيحًا.


9. التبني: عندما تتبنى الدولة رأيًا واحدًا من آراء كثيرة

في الحياة المجتمعية والدولية، اختلاف آراء المجتهدين أمر حتمي. وهذا الاختلاف نفسه ليس مشكلة طالما يبقى في إطار الأدلة الشرعية وقواعد أصول الفقه الصحيحة. قال رسول الله ﷺ:

إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ (متفق عليه)

هذا الحديث يدل على أن المجتهد المخطئ يأجر أيضًا. اختلاف آراء المجتهدين رحمة، ليس مصيبة.

لكن في سياق تطبيق الحكم من قبل الدولة — خاصة في الخلافة الإسلامية — لا يمكن ترك اختلاف الآراء هكذا بلا آلية حل. تخيل لو أن كل قاضٍ في كل أنحاء الخلافة يطبق رأيه الخاص في نفس القضية. الشخص (أ) في بغداد يُبرأ، بينما الشخص (ب) في دمشق يُعاقب لنفس القضية بالضبط. هذا سيخلق فوضى قانونية وظلمًا وعدم يقين قانوني.

هنا يصبح مفهوم التبني مهمًا جدًا.

التَّبَنِّي: هُوَ اخْتِيَارُ الْحَاكِمِ (الْخَلِيفَةِ) رَأْيًا مُعَيَّنًا مِنَ الْآرَاءِ الْمُجْتَهِدَةِ لِيَكُونَ قَانُونًا يُطَبَّقُ فِي الدَّوْلَةِ

شرح الشيخ تقي الدين النبهاني في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث أن للخليفة صلاحية التبني — أي اختيار رأي واحد من عدة آراء مختلفة للمجتهدين، ثم جعله قانونًا رسميًا للدولة يجب تنفيذه من كل القضاة وكل المواطنين.

لماذا يحق للخليفة التبني؟ لأنه القائد المسؤول عن النظام والعدل ووحدة الأمة. إذا بدأ اختلاف الآراء يزعج النظام العام أو يزعج وحدة حركة الأمة أو يخلق عدم يقين قانوني، فيجب على الخليفة اختيار رأي يراه أقوى دليلًا وأنسب لمصلحة الأمة.

تشبيه السفينة الكبيرة

تخيل الأمة الإسلامية كـ سفينة كبيرة تبحر في المحيط. هذه السفينة لها قادة كثيرون لكل منهم رأي مختلف عن الاتجاه الذي يجب التوجه إليه. القائد (أ) يريد الشمال، والقائد (ب) يريد الجنوب، والقائد (ج) يريد الشرق. إذا أُعطي كل قائد حرية توجيه سفينته الخاصة، فستدور السفينة بلا هدف، وتستهلك الوقود، وتغرق في النهاية.

التبني هو الآلية التي تجعل قائدًا واحدًا — أي الخليفة — هو محدد الاتجاه. يختار اتجاهًا واحدًا هو الأصح، ويجب على كل طاقم السفينة اتباع هذا الاتجاه. ليس لأن الاتجاهات الأخرى خاطئة بشكل مطلق، بل لأن السفينة تحتاج اتجاهًا واحدًا واضحًا لتصل للهدف.

من المهم فهم: التبني لا يلغي الآراء الأخرى غير المختارة. تبقى هذه الآراء صحيحة كآراء اجتهادية صحيحة. ما يحدث فقط أنه لأغراض التطبيق من قبل الدولة، يُختار رأي واحد لتحقيق اليقين القانوني والوحدة.

شرح الشيخ تقي الدين النبهاني أيضًا أن التبني يسري فقط على الأحكام التي ستطبقها الدولة (مثل القانون الجنائي والمدني والاقتصادي). أما في العبادات المحضة (الصلاة والصيام والحج)، فلا يتبنى الخليفة لأن كل مسلم حر في اتباع الرأي الذي يتيقنه في عبادته الشخصية.


10. الخلاصة: الاجتهاد والتقليد كركنين للشخصية الإسلامية

الفهم الصحيح للاجتهاد والتقليد ليس مجرد معرفة أكاديمية تحلّق في قاعات المحاضرات. إنه عقيدة عملية تشكل طريقة تفكير المسلم وموقفه وتفاعله مع أحكام الله في الحياة اليومية.

عندما يفهم المسلم مفهوم الاجتهاد والتقليد حقًا ويغرسه في نفسه، ستنبثق شخصية إسلامية (الشخصية الإسلامية) بالخصائص التالية:

أولًا، يحترم العلم والعلماء. يعرف أن حكم الله لا يمكن استنباطه بشكل عشوائي. يحترم المجتهدين الذين قضوا عقودًا في دراسة القرآن والسنة واللغة العربية وأصول الفقه. لا يستهين برأي العالم只因 أنه لا يتوافق مع رغبته. ولا يدعي أنه مجتهد إذا لم يستوفِ الشروط.

ثانيًا، لا يتعصب أعمى لمذهب واحد. يحترم كل المذاهب المعتبرة ويفهم أن اختلاف آراء المجتهدين رحمة لا مصيبة. لا يذم علماء مذاهب أخرى ولا يعتبر مذهبه الوحيد الصحيح بشكل مطلق. لكنه أيضًا لا ينتقل بين المذاهب فقط بحثًا عن الأخف — وهو موقف يُسمى في الفقه التلفيق المذموم.

ثالثًا، ي aktif فهم الدليل (الاتباع). رغم أنه يقلد، لا يرضى بالتقليد فقط. يسعى لمعرفة الأدلة وراء الرأي الذي يتبعه. يقرأ ويسأل ويتعلم حتى يرتقي تقليده لاتباع — اتباع بفهم. هذا موقف محبذ جدًا لأنه يجعل إيمانه يقوم على أساس العلم، لا على التقليد الأعمى.

رابعًا، يدعم الاجتهاد المعاصر. يدرك أن الأمة الإسلامية تحتاج مجتهدين جدد قادرين على الإجابة عن القضايا الحديثة. يدعم جهود تخريج علماء يستوفون شروط الاجتهاد. لا يقع في رومانسية الماضي التي تدعي أن الجيل الحالي لم يعد قادرًا على الاجتهاد.

خامسًا، يفهم مفهوم التبني ويقبله كحاجة للدولة. يعرف أنه في الخلافة الإسلامية، يحق للخليفة اختيار رأي واحد ليكون قانونًا. لا يرفض هذا القانون只因 أنه يتبع شخصيًا رأي مجتهد مختلف. يفهم أن التبني آلية ضرورية للحفاظ على النظام والعدل ووحدة الأمة.

هذا هو التوازن الجميل في الإسلام. من ناحية، تبقى الشريعة نقية لأن كل حكم يجب أن ينبع من دليل شرعي ويُستنبط عبر قواعد أصول الفقه الصارمة. ومن ناحية أخرى، تبقى الشريعة عذبة وذات صلة لأن باب الاجتهاد دائمًا مفتوح ويربط باستمرار مصدر الشريعة بواقع الحياة المتطور.

قال الله ﷻ:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (سورة المائدة: 3)

كمال الدين الذي أعلنه الله في هذه الآية ليس كمالًا جامدًا متجمدًا. إنه كمال ديناميكي — كمال يشمل مصادر الشريعة الكاملة، ومنهج استنباط الحكم الصحيح، وآلية التطبيق المرنة. الاجتهاد والتقليد وجهان لعملة واحدة: كلاهما ضروري ليبقى الإسلام دينًا كاملاً وذات صلة وقادرًا على هداية البشرية للسعادة في الدنيا والآخرة.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (سورة البقرة: 201)


مقالات ذات صلة: